أولا: مدينة مأرب التاريخية

 

عرفت المدينة بهذا الإسم منذ مطلع الألف الأول قبل الميلاد ، فقد وردت في نقوش القرن الثامن قبل الميلاد بلفظ (م ر ي ب) ، وفي بعض النقوش التالية لها بلفظ (م ر ب )، وهي عاصمة مملكة سبأ لنحو مايزيد عن 1000عام ( من القرن الثامن قبل الميلاد حتى القرن الثالث الميلادي ) ، وتقع على وادي ذنه وعلى مشارف صحراء صيهد التي تتحكم بطريق التجارة القديمة "طريق اللبان".

بناءها يرجع تحديدا الى القرن الثامن قبل الميلاد حين اتخاذها كعاصمة إدارية لمملكة سبأ ، والذي أختط المدينة هو " يثع أمر/ بين / بن / سمه علي/ مكرب / سبأ " وهو المكرب السبئي الذي حكم في نهاية الـقـرن الـثـامـن قـبـل المـيـلاد (715 ق . م ).

مساحتها تقدر بأكثر من مائة هكتار ، تشتمل على الأسواق ، المنازل السكنية ، والمعابد ..الخ ، المحاطة بسور منيع يحتضنها ويمنحها القوة والمنعة.

سر منعة المدينة فضلا عن قوة ومنعة أهلها " السبئيين " تكمن في سورها وأبراجه الدفاعية التي هي أحد الأسرار الأخرى التي جعلت من مأرب رمزا للشموخ والتصدي للعديد من المحاولات العسكرية للاستيلاء منذ عليها كالغزوة الرومانية التي وصلت إلى مشارفها سنة ( 24 ق . م ) والتي عادت على أعقابها خائبة.

طريقة بناء السور تشير الى فكر هندسي وإستراتيجي مميز ، إذ جعل فيها السور يبدو مائلا للخارج " بما قد يوحي للناظر بأنه آيل للسقوط " بيد أن ذلك هو أحد الأسرار التي كانت تعطيه القوة والمنعة، فقد بني بطريقة هندسية فيها الصف الحجري الأسفل يبرز قليلاً عن الصف الحجري الأعلى ، واستخدمت في بناؤه الأحجار المهندمة، ويتخذ شكلاً غير منتظما ، وله ثلاثة ابواب من الجهات الشمالية والغربية والجنوب شرقية ، وشيدت عليه عدة ابراج دفاعية موزعة بطريقة غير منتظمة وبسعات متفاوتتة بما يدل على " استراتيجية عسكرية دفاعية مرنة " ، فهناك برجان دفاعيان في الجدار الشمالي بلغت المسافة بينهما ( 10.50 متر ) ، وهناك واحدا في جـهـة الغـرب بعداه ( 5.35 × 3 م ) بينما البرجين الموجودين في الجدار الشمالي بعداهما ( 6 × 2.70 م ) و( 5.60 × 3.83م ) .والسور اليوم يكاد أن يكون مطموس المعالم من حيث شكله ولكن استطاع الباحثون تحديده تماماً بواسطة التصوير الجوي ، فلم يتبقى منه الا بقية أساسات الأجزاء الشرقية والشمالية والغربية حيث جرفت السيول أجزاؤه الجنوبية.

معالمها الاسلامية يبرز من بينها مسجد سليمان الذي يقع في الجهة الغربية من المدينة وما زال محافظا على معالمه عدا ان بعض أجزاء سقفه قد اندثر ، وترتبط تسمة هذا المسجد بالنبي سليمان بن داوود عليه السلام الذي زارته الملكة بلقيس سنة  ( 950 ق.م ) ، والمسجد مبني من الأحجار والأعمدة الحجرية الأثرية ( 52 عموداً ) ذات ثمانية أضلع محيط بعضها ( 1.11م ). وقد بني هذا المسجد حسب الراجح من الأراء سنة ( 467 للهجرة النبوية المحمدية )  مع ان بعض " النصوص الحجرية " ورد بها أن النبي  سليمان بن داود (صلى الله عليه وسلم ) هو من بنا المسجد .